ملا محمد مهدي النراقي
107
جامع السعادات
الأول - حب الإنسان وجود نفسه وبقاءه وكماله ، وهو أشد أقسام الحب وأقواها ، لأن المحبة أنما تكون بقدر الملاءمة والمعرفة ، ولا شئ أشد ملائمة لأحد من نفسه ، ولا هو بشئ أقوى معرفة منه بنفسه ، ولهذا جعلت معرفة نفسه مفتاحا لمعرفة ربه ( 11 ) . وكيف لا يكون حب الشئ لذاته أقوى المراتب ، مع أن الحب كلما صار أشد جعل الاتحاد بين المحب والمحبوب أوكد وأبلغ ؟ وأي اتحاد أشد من الوحدة ورفع الإثنينية بالمرة ، كما بين الشئ ونفسه ، فالمحب والمحبوب واحد ، وسبب الحب غريزة فيه الطباع بحكم سنة الله : ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ( 12 ) . ومعنى حبه لنفسه كونه محبا لدوام وجوده ، ومكرها لعدمه وهلاكه فالبقاء ودوام الوجود محبوب ، والعدم ممقوت ، ولذا يبغض كل أحد الموت لا بمجرد ما يخافه بعده ، أو لمجرد ما يلزمه من سكراته ، بل لظنه أنه يوجب انعدام كله أو بعضه ، ولذا لو اختطف من غير ألم وتعب ، وأميت من غير ثواب وعقاب ، كان كارها لذلك وكما أن دوام الوجود محبوب فكذلك كمال الوجود محبوب ، لأن فاقد الكمال ناقص ، والنقص عدم بالإضافة إلى القدر المفقود ، فالوجود محبوب في أصل الذات وبقائه وفي صفات كماله ، والعدم ممقوت فيها جميعا . والتحقيق : أن المحبوب ليس إلا الوجود ، والمبغوض ليس إلا العدم ، وجميع الصفات الكمالية راجعة إلى الوجود ، وجميع النقائص راجعة إلى العدم ، إلا أن كل فرد من الموجود لما كان له نحو خاص من الوجود ، وكانت تمامية نحو وجوده بوجود بعض الصفات الكمالية التي هي من مراتب الموجودات ، فكان وجوده مركب من وجودات متعددة ، فإذا فقد بعضها فكأنه فاقد لبعض أجزاء وجوده ، وبذلك يظهر : أن الموجود كلما كان أقوى وكان نحو وجوده أتم ، كان أجمع لمراتب الوجودات في القوة والشدة
--> ( 11 ) كما قال أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) . ( 12 ) الأحزاب ، الآية : 62 . الفتح ، الآية : 23 .